مخاطر الثقة العمياء في تقارير وكالات التصنيف والمؤسسات الدولية
الثلاثاء 21 يوليه 2020 -12:24
يفتقد الكثير من الخبراء والمحللين الماليين بل و كتاب الرأي الذين يحاولون مناقشة وتحليل تقارير المنظمات العالمية الدولية ووكالات التصنيف الائتماني للعمق والفكر النقدي، وذلك راجع لعدم أخذهم الوقت الكافي للبحث والتعمق وقراءة خبايا ما يجري في الكواليس قبل أصدارا تلك التقارير .
 ولعل قراءة المراجع المتعددة وبلغات مختلفة والتسلح بالفكر النقدي ووضع الأمور في سياقها التاريخي، سيكون هو السبيل الوحيد الذي يمكن أن يؤدي، في نهاية المطاف، إلى إنتاج تحليل موضوعي وواقعي وذي مصداقية حول تلك التقارير سواء التي تشيد منها بالأوضاع الاقتصادية أو تحذر منها لكافة الدول بما فيها دولنا العربية . 
هناك أيضا توجه عام وسط العديد من والخبراء والمحللين بإعطاء صفة المصداقية الكاملة لكل ما يقوله الغرب وتنتجه منظماته الاقتصادية ووكلات التصنيف الائتماني الخاضعة له .

فمثلا يتعامل الكثيرون مع تقارير البنك الدولي وصندوق النقد على أنها حقائق ثابتة لا تقبل النقد وأحكام نهائية لا يمكن مناقشة حيثياتها، بل يعتبر البعض أن تقارير وكالات التصنيف الإئتماني نص مقدس (معاذ الله)، وأن القائمين على تلك المنظمة همهم الوحيد هو اصلاح اقتصاديات الدول ومساعدتها علي النهوض من كبواتها  وتحقيق الرفاهية لشعوبها ، في حين أن الكثير من الوقائع التاريخية والمواقف السابقة الموثقة لهذه الكيانات ، تؤكد أن الصورة الوردية والرومانسية التي روجتها عن تقاريرها أنشطتها ليست هي الحقيقة كاملة.


فمنذ أن ذاع صيت وكالات التصنيف الائتماني خلال السنوات الماضية حول قدرتها علي التنبؤ بالوضع الاقتصادي وقدرتها علي تقديم النصيحة لتحقيق عمليات الإصلاح الاقتصادي تنسي البعض ما فشلت فيه تلك المؤسسات والوكلات عبر سلسلة من الأحداث بدأت بفشلها في تقدير المخاطر المتعلقة بسندات الرهون العقارية والسندات المهيكلة والتي أدت إلى نشوء الأزمة المالية العالمية قبل نهاية عام 2008 وتعرضها وقتها لانتقادات واسعة على إثر ذلك .
ربما كان من نتائج ذلك أن هذه الوكالات أصبحت تتخذ مواقف أكثر تشددا من ذي قبل في تقدير المخاطر التي كان آخرها توقعات مؤسسة فيتش، أن ينجم عن موجة خفض التصنيفات الائتمانية السيادية غير المسبوقة التى تسبب فيها فيروس كورونا ارتفاع عدد الدول ذات التصنيف "عالى المخاطر" ليتجاوز الدرجة الجديرة بالاستثمار، وهى سابقة لم تحدث من قبل.
 
كما دفعت الأزمة فيتش، بالفعل إلى اتخاذ 32 إجراء تصنيفيا سلبيا أثرت على 26 دولة هذا العام، لكن من المتوقع قفزات أخرى فى الوقت الذى مازال فيه أكثر من ثلث تصنيفاتها السيادية البالغ عددها 118 ينطوى على تحذيرات بالخفض مع "نظرة مستقبلية سلبية".
 
ومن المتوقع، أن يؤثر ذلك على التوازن بين الدول الأقوى ماليا التى تضمها "الدرجة الجديرة بالاستثمار"، والتى تدور تصنيفاتها بين ‭‭A‬‬ و‭‭BBB‬‬، وتلك ذات الأوضاع المالية الأضعف التى فى الفئة "عالية المخاطر" أو ما تعرف "بدرجة المضاربة".
وخلاصة القول فإنه إذا ما دلت هذه الأمثلة على شيء، فإنما تدل على أن المؤسسات الاقتصادية العالمية ليست بالمعصومة من الخطأ، أو التي ينبغي على المحللين الإيمان بكل التقارير التي تصدرها، واعتبارها حقيقة مطلقة لا يمكن التشكيك في مصداقيتها أو في أسباب صدورها .
 فإذا كانت الأبحاث العلمية في العلوم الصحيحة تخضع للنقاش والتمحيص ويقوم البعض بالتشكيك في مدى صحتها، فماذا يمكن القول عن تقارير اقتصادية صادرة عن مؤسسات ووكالات سبق وأن أخطأت في تحديد حجم المخاطر وساهمت في حدوث أزمة مالية عالمية وبالتالي فإن لكل دولة نشاط اقتصادي ذو خصوصية تختلف عن غيره ما قد يؤدي الي عدم تحقق تلك التوقعات بشكل كامل . 

كما يجب علينا أن نعي أن الأقوياء هم من يقومون دائما بكتابة التاريخ. وكما قام الغرب بكتابة التاريخ خلال القرون الأربعة الماضية وبعد الحرب العالمية الثانية، فإنه الآن من خلال الآلة الإعلامية الضخمة وشبكات المنظمات "غير الربحية" التي يسيطر عليها، يعمل على السيطرة على سردية الحاضر والتأثير على عقولنا، من أجل التحضير لمستقبل يتماشى مع أهدافه الاستراتيجية وهدفه الأسمى، ألا وهو المحافظة على هيمنته الاقتصادية والسياسية والثقافية. 

 

تعليقات القراء

أضف تعليق
الأسم
البريد الألكنرونى
التعليق

تعليقات الفيس بوك

جميع الحقوق محفوظة لموقع البوصلة 2015